Saint Antony Coptic Orthodox Monastery Home

الفرق بين الشهادة للإيمان، والتعصب للإيمان

الشهادة بواقع اختلافنا عن العالم حتمية وواجبة. فكيف نرى تحسين العلاقة مع غير المسيحيين؟ هل بإظهار تماثلنا معهم فى أمور كثيرة؟ وماذا عن الأمور المختلفة معهم، هل هى أقل أهمية من الأمور التى تبدو متماثلة معهم؟ بالقطع لا. فعقيدتنا وإيماننا بيسوع المسيح ابن الله الذى أتى فى الجسد لها أهمية ليس كبيرة فقط بل محورية، كما يقول القديس يوحنا الرسول: "و كل روح لا يعترف بيسوع المسيح انه قد جاء في الجسد فليس من الله و هذا هو روح ضد المسيح الذي سمعتم انه ياتي و الان هو في العالم" (1يو  4 :  3) وأيضاً الرسول بولس يقول، "... ليس احد يقدر ان يقول يسوع رب الا بالروح القدس" (1كو  12 :  3) بل إن الرسول يوحنا يحذرنا من التهاون فى معاملتنا مع غير المؤمنين فيقول، "ان كان احد ياتيكم و لا يجيء بهذا التعليم فلا تقبلوه في البيت و لا تقولوا له سلام" (2يو  1 :  10) ويوضح بعد ذلك سبب هذا المنع قائلاً، "لأن من يسلم عليه يشترك في اعماله الشريرة" (2يو  1 :  11) إننا نقبل أخوتنا الغير الغير مسيحيين ونصافحهم ونقبّلهم ونقبلهم فى بيوتنا ونأكل معهم على أساس قبول أننا مختلفين وأننا نحبهم كأخوتنا فى الإنسانية برغم هذا الإختلاف. فمع شهادتنا بهذا الإختلاف نحبهم. فالوقت الذى فيه نحاول أن نخفى هذا  الإختلاف وراء الأمور التى تبدو متماثلة ظاهرياً وجب علينا ألا نقبلهم حسب ما قاله الرسول يوحنا فى (2يو  1 :  11) وإلا نكون نشترك معهم فى ما هم عليه. لاحظ أن الرسول قال "من يسلم عليه".



يقول الكاهن فى صلاة تحليل الآب فى نهاية القداس: اللهم حاللنا وحالل كل شعبك من كل خطيئة.... ومن كل ملاقاة الهراطقة الوثنيين، ثم يقول: "إنعم لنا يا سيدنا بعقل وقوة وفهم لنهرب إلى التمام من كل أمر ردئ...



ملاقاة الهراطقة والوثنيين تحتاج إلى حكمة فى التصرف حتى لا نكون قد تصالحنا مع روح ضد المسيح واشتركنا أو تقبلنا الخطأ بواقع حالنا.



فهناك اتجاه خطير الآن ربما تسرب لنا من موجة النسبية Relativism التى تسود العالم الآن خاصة فى الغرب، ومفهوم أن كل فئة أو طائفة عندها بعض الحق أو جذء من الحقيقة، وبهذا يقبلون الإختلافات فى الإيمان كمنهج يسيرون عليه كما يحدث مع طوائف البروتستانت.



إننا لا نبغض أحد ولا نحتقر أحد ولكننا نشهد للمسيح بحياتنا وأقوالنا. نشهد لإيماننا وعقيدتنا. ليس السلام مع من لا يؤمن بإيماننا أن نخفى جوهر إيماننا أو نضعه جانباً ونظهر أننا نماثله. فهذا ليس سلاماً.



إننا نشهد لإيماننا وعقيدتنا ولكن لا نتعصب... فيأتى السؤال الحتمى وهو: ما هو الفرق بين الشهادة للإيمان والتعصب؟



الفرق هو أن الشهادة للإيمان جوهرها المحبة، المحبة لله وأيضاً المحبة للقريب. فأنت تحب الله وتستجيب لمحبته التى ظهرت فى الصليب بأن تدعو الناس إليه كما دعاك أنت. وأيضاً أنت تحب أخاك الغير المؤمن لذلك تريد أن تجعله يتمتع بالحياة مع المسيح مثلك. هذه هى الشهادة للإيمان. وعلامة ذلك أن "المحبة لا تصنع شرا للقريب ..." (رو  13 :  10)



أما التعصب فجوهره الذاتية لذلك جاء منه كلمة "عصابة" تقال على مجموعة المجرمين الذين تجمعهم الذاتية والإجرام وليس المحبة. وجوهر التعصب أيضاً هو الكراهية لذلك يتخذ المتعصبين من غيرهم أعداء لهم يريدون أن ينتصروا عليهم بأى نوع.



لكن قد يقول قائل: وماذا يقصد الرسول بولس من القول: "... فاني اذ كنت حرا من الجميع استعبدت نفسي للجميع لاربح الاكثرين.  فصرت لليهود كيهودي لاربح اليهود و للذين تحت الناموس كاني تحت الناموس لاربح الذين تحت الناموس. و للذين بلا ناموس كاني بلا ناموس مع اني لست بلا ناموس لله بل تحت ناموس للمسيح لاربح الذين بلا ناموس. صرت للضعفاء كضعيف لاربح الضعفاء صرت للكل كل شيء لاخلص على كل حال قوما. و هذا انا افعله لاجل الانجيل لاكون شريكاً فيه. (1 كو 9: 19- 23)



إن هذا هو عمل المبشر فإن كنت تبشر بين ملحدين فإظهر نفسك كما لو كنت بلا ناموس مع أنك لست بلا ناموس وكلمهم من خلال هذا إلى أن تربحهم. ولكن ليس معنى ذلك أن تقول لهم أن المسيحية هى متماثلة مع الإلحاد فى نواحى كثيرة. فقول بولس الرسول معناه أنه يظهر نفسه كأنه واحد مثلهم كنوع من التواصل والتفهّم ولكن فى نفس الوقت يوضح لهم شهادته عن الإيمان. لنأخذ أمثلة من ذلك:



فى سفر الأعمال بينما يبشر الرسول بولس فى أثينا قال للفلاسفة الأثينيون "لانني بينما كنت اجتاز و انظر الى معبوداتكم وجدت أيضاً مذبحاً مكتوباً عليه: لإله مجهول، فالذي تتقونه وأنتم تجهلونه هذا أنا أنادي لكم به" (اع  17 :  23) فهنا بدأ الرسول معهم بمعبوداتهم، رغم أنه لا يقبلها على الإطلاق، ولكن بحكمة قادهم من هذه النقطة إلى أنهم لم يعرفوا الإله الحقيقى بعد، ثم نادى ببشار الإنجيل. فلو قال لهم مثلاً "نحن لنا مذبح أيضاً مثلكم" وسكت عند هذا الحد لما كان كلامه مقبولاً، إذ يكون قد وضع مذبح الإله الحقيقى مع جملة المذابح الغير الحقيقية. 



مثال آخر أنه عندما كان اليهود يرفضون دعوته وأيضاً يهيجون الإضطهاد عليهم ويطردونهم، يقول الكتاب، "اما هما فنفضا غبار أرجلهما عليهم و اتيا الى ايقونية" (اع  13 :  51) كان هذا فى أنطاكية بيثيدية. هل فى أيامنا هذه عندما نُضطهد نظهر التماثل مع غير المسيحيين لكى نوجد سلام؟



فلننظر إلى المعنى الذى يقوله الرسول بولس، " اذ كنت حراً من الجميع استعبدت نفسي للجميع لاربح الاكثرين." إنه استعبد نفسه وليس إيمانه وعقيدته.



إن كان الهدف من إظهارالتماثل مع الغير هو السلام، فيجيب الرب يسوع ويقول: "...أتظنون أني جئت لأعطي سلاماً على الارض كلا اقول لكم بل انقساماً. لأنه يكون من الآن خمسة في بيت واحد منقسمين ثلاثة على اثنين و اثنان على ثلاثة. ينقسم الاب على الابن و الابن على الاب و الام على البنت و البنت على الام و الحماة على كنتها و الكنة على حماتها." (لو 12: 51-53) "وأعداء الانسان أهل بيته" (مت  10 :  36)



يقصد الرب يسوع أنه لم يأتى ليعطى سلاماً خارجياً مع من لا يؤمنون. ولكن بالطبع أعطى سلامه الذى يفوق كل عقل الذى يحفظ قلوبنا وأفكارنا فى المسيح يسوع (في  4 :  7) الذى ليس كما يعطى العالم (يو  14 :  27)



أعطاه للمؤمنين فى قلوبهم. وهذا هو أيضاً المقصود من عبارة التسبحة "على الأرض السلام" (لو  2 :  14)



"جئت لالقي نارا على الارض فماذا أريد لو اضطرمت. ولي صبغة اصطبغها و كيف انحصر حتى تكمل." (49، 50)



إنه قال نفس هذا الكلام فى إنجيل معلمنا متى البشير بعد أن قال: "فكل من يعترف بي قدام الناس اعترف انا ايضا به قدام ابي الذي في السماوات. ولكن من ينكرني قدام الناس انكره انا ايضا قدام ابي الذي في السماوات." (مت 10: 32، 33)

إما مع يسوع المسيح أو ضده. لا يوجد مكان متوسط.  "من ليس معي فهو عليّ ومن لا يجمع معي فهو يفرق" (مت  12 :  30) (لو  11 :  23) فكيف يستقيم هذا مع "... من ليس علينا فهو معنا" (مر  9 :  40) (لو  9 :  50)



فى الأولى، من ليس مع المسيح فلابد أن يكون ضده. هذا هو ضد المسيح كما ذكرنا ما قاله القديس يوحنا الرسول.



أما الثانية، من ليس على المسيح أو ليس ضده فهو، نتيجة للقاعدة الأولى، لابد أن يكون مع المسيح. وبأخذ القاعدتين فى الإعتبار نستنتج أنه لا يوجد حالة متوسطة، إما مع يسوع المسيح أو ضده.



مثال ثالث: أنظر إلى هذا الفارق، بولس الرسول الذى قال، " فصرت لليهود كيهودي لأربح اليهود" (1 كو 9: 19، 20) وهو الذى ختن تلميذه تيموثاوس "فاراد بولس ان يخرج هذا معه فاخذه و ختنه من أجل اليهود الذين في تلك الاماكن لان الجميع كانوا يعرفون اباه انه يوناني" (اع  16 :  3) هو نفسه بولس الرسول الذى قاوم بطرس الرسول مواجهة عندما سلك بتهود مثل اليهود. "ولكن لما اتى بطرس الى انطاكية قاومته مواجهة لانه كان ملوماً" (غل  2 :  11) فما هو الفارق إذاً؟ الفرق واضح. بولس الرسول كان يربح اليهود للمسيح. أما بطرس الرسول فى هذا الموقف المذكور فى الرسالة إلى غلاطية 2 فعل ذلك خوفاً من أن يُلام. إنه ابتغى فى هذا الموقف سلام زائف مع الأخوة الذين أتو من اليهودية. "خائفا من الذين هم من الختان." (غل 2: 12) وكذلك بعض اليهود فى ذلك الموقف.



مثال رابع: إلتقيت يوماً مع اثنين من اليهود، فبعد التحية وبداية الحديث، قلت لأحدهم: فأنتم بحسب إيمانكم لازلتم تنتظرون مجئ المسيا، وبهذا تكلمت معه بحسب إيمانه كيهودى، ثم بادرته بالسؤال: فما هو الشكل الذى تتوقعون أن يكون عليه المسيح المنتظَر؟ فكانت عدة إجابات، فبرغم شكل هذه الإجابات المنطقية ولكنها لم ترد على السؤال الضمنى، لماذا لم يؤمنوا بالمسيح يسوع الذى أتى منذ نحو ألفى عام؟ وكان هذا يحتاج إلى الإنصات للحق، ولكن على الأقل أظهرت شهادة الإنجيل بدون محاولة فرضها عليهم.



فى أيامنا أيضاً نرى الناس تسمى الأمور بمسميات حديثة مثل "السياسة" وليست هى سياسة حقيقية لأن السياسة فى معنى الكلمة هى أن تسوس الناس، أى هى مسار التعامل بفطنة. وبالنسبة للمسيحيين ليس هناك سياسة إلا سياسة المحبة. "لتصر كل أموركم في محبة" (1كو  16 :  14)



أما عن ما يقال عنه سياسة فى العالم وهى ليست سياسة فى بعض الأحيان وإنما رياء وإستيحاء بإنجيل المسيح، "لان من استحى بي و بكلامي في هذا الجيل الفاسق الخاطئ فان ابن الانسان يستحي به متى جاء بمجد ابيه مع الملائكة القديسين" (مر  8 :  38) (لو  9 :  26)



 فقد تطور التعبير إلى تعبير آخر هو تعبير: "صحيح سياسياً" "Politically correct" الذى يستعمل فى الأمور الخاطئة بحسب الإنجيل، فلكى يتخطى قائله ظهور الخطأ فيما يقول، يصف ما يقول بهذا التعبير ليحاول أن يصفه بالصحة، من الناحية السياسية لكى يقنع السامع، ولكن كما قلنا هذا لا يعتبر سياسة بالمعنى الصحيح. إن الحقيقة واحدة لا تتجزأ. فليس هناك أمراً صحيح من ناحية فى حين أن يكون خطأ أنجيلياً، كما قال الرب يسوع، "قد اتيت الى العالم لأشهد للحق كل من هو من الحق يسمع صوتي" (يو  18 :  37)



فاننا لسنا نكرز بانفسنا بل بالمسيح يسوع ربا و لكن بانفسنا عبيدا لكم من اجل يسوع (2كو  4 :  5)



Copyright © 2007 Saint Antony Coptic Orthodox Monastery, California, U.S.A. The above article may not be published, broadcast, rewritten or otherwise distributed without the prior written authority of Saint Antony Coptic Orthodox Monastery, California, U.S.A.
© Saint Antony Coptic Orthodox Monastery Legal :: Privacy Policy :: Contact Us